حكايا

الكتابة ... شكل من أشكال المواجهة مع الذات لاكتشاف معاني جديدة في الحياة..

غربة

نهرت السيدة الكبيرة الصغار، أمرتهم بمغادرة صالة الضيوف واللعب بعيدا عن مجلس الكبار . اندفع الصغار باتجاه فناء البيت وباشروا باللعب فورا..

بعد اجراء القرعة وقفت الصغيرة في وسط الفناء . واحد .. اثنان.. ثلاثة..

أغمضت عينيها، بدأ رفاق اللعب يلهثون في البحث عن أمكنة يتوارون بها. واحد اثنان..ثلاثة..فتحت عينيها.

التقطت من فوق السور الذي بدا مرتفعاً عن قامتها الصغيرة ، ملامح بيت تعرفه جيداً.. بين البيوت المتناثرة.

جالت في المكان.. وقع بصرها على الباب الحديدي الكبير المشرع على الساحة الترابية خارج المنزل .

انسلت بهدوء.. لم تنظر وراءها.. وقفت في وسط الساحة الترابية ، اتجهت الى اليسار وعبرت الشارع المزدحم .

ابتسمت بخبث طفولي ، حين وجدت نفسها تقف أمام محل "بائع اللبن" الذي يتخذ موقعه على زاوية الشارع.. كان للمحل بابان ، يفضي كل منهما على الشارع.. وغالبا ما كانت تختصر المسافة بأن تدخل من باب لتخرج من الآخر، إلى أن باغتها صاحب المحل مرة غاضبا ومزمجرا، من يومها لم تعد تجرؤ أن تسلك محله طريقا .

أسرعت السير.. تهجأت أسماء المحال على الآرمات.. توقفت عند بعض الوجوه.. لم تعرف كيفية قراءة بعض الآرمات الجديدة المكتوبة بحروف لا تعرف من أين جاؤوا بها !

وصلت الى شارع متفرع ، تمعنت في أشكال البيوت ، على اليمين وعلى اليسار ، اتجهت إلى اليسار .

بدأت بالعد ، مثلما كانت تفعل حين كانت تجتاز الشارع مع أفراد أسرتها .

 بدأت ملامح بيت تتالى عليها. سرحت..

v الوقت عصراً .. والام تنده عليهم لتسليم كل واحد منهم ملابس أنهت طيها لوضعها في مكانه المخصص له  

لابد أن أباها كعادته.. يأخذ مكانه على الشرفة الزجاجية المطلة على الشارع ، يحتسي الشاي الغامق ويقرأ في كتاب كبير ، تعجب دائماً كيف يمكن للواحد أن يقرأ هذه الكتب الكبيرة ، وتسرح مفكرة : هل ستتمكن يوما من قراءة مثل هذه الكتب ؟ وصلت الباب ، قفزت القطة عن الموقع الدائم لها على البوابة ، ركضت باتجاهها انحنت ، ضمتها ، بدأت القطة  تشمشم بشعرها فيما أصابع الصغيرة تداعب عنقها .

صعدت الدرج المؤدي للشرفة ، بدت لها الياسمينة المنزرعة في حوض ملاصق للشرفة ، ذاوية, على غير عادتها .

كالمعتاد .. الباب مفتوح لكن، ما بال قطتها تتملل محاولات الإفلات .. دخلت الشرفة ، نجحت القطة في الإفلات .. والقفز من نافذة الشرفة . 

أحدث ارتطامها بحافة النافذة صوتاً ، واستقرت في موقعها على بوابة المنزل تنظر للشرفة بارتياب .

أحست بنفور وقشعريرة .. من الذي استبدل مقاعد الخيزران بأخرى بلاستيكية عارية .

استمرت في اجتياز المكان ، الاشياء هنا غريبة .. لا تعرفها ، ليست باشيائهم !

فجأة .. ظهرت امرأة .. ليست بأمها .. فتحت المرأة فمها .. حدقت .

ارتعدت الصغيرة .. زاغت عينيها .. وسارعت بالهرب . 

      الرأي الثقافي           

الجمعة 17/8/2001



أضف تعليقا