حكايا

الكتابة ... شكل من أشكال المواجهة مع الذات لاكتشاف معاني جديدة في الحياة..

قصاصات.. وطيف

            تفورالقهوة .. تبتعد بها عن النار، تلقي نظرة على الصغيرة.. تسمع همهمتها وهي تنهر في قطع الألعاب المتناثرة في غرفة الجلوس...

انتهت من إعداد القهوة.. بحثت عن فنجانها المفضل.. أتاها به صديق من إحدى دول أوروبا الشرقية.. لم تعد تذكر اسم البلد.. سكبت القهوة.. وضعته في مكان لا تصله حفيدتها..

اقتربت من الصغيرة.. هتفت حين رأتها تحاول أن تمزق ورقة بواسطة أسنانها الصغيرة.. لا يا حبيبتي، هذا ضار.

 تمزقت الورقة إلى قطع صغيرة. أمسكت بإحداها وقرأت:

 هذا الربيع اكتشفت عالمين ... أنت وأنت!

سرحت بالصوت! ألم يقل البعض : .... فالأذن تعشق قبل العين أحيانا!

شرعت في لملمة الأوراق قبل أن تقضي عليها الصغيرة..

قصاصة كتب عليها بخط أنيق : 

صباحا رائقا للسوسنة الرائعة، كم هي مدهشة مناخاتك ورائع السفر معك وإليك..!

سكنت حركة الصغيرة..

تتمعن في وجه جدتها..

كأنها تتسائل: لماذا تغيرت فجأة.. ليس ذلك من عادتها..

هل ستغضب مني لأنني مزقت الورقة؟

بادرت الصغيرة إلى جمع القصاصات المنتشرة على السجادة، تناول جدتها واحدة تلو الأخرى 

تسمع صوتها يقرأ بارتعاش:

من سيقول "أحبك" أولا؟ هل لي أن أكون من يقولها أولا؟

صباح الورد.. أما زال الحبيب مغمضا جفنيه على حلم جميل؟ كم تستولي علي روعتك!

أقود سيارتي وحيدا.. أفتقدك.. أحب فيك كل هذه الحكمة والجنون.. أحتاجك وأريدك!

ليس عندي مؤونة تسد عطشي إليك.. الآن فقط هطل المطر..صباحا طيبا يا غاليتي

من أوقد النار في هشيم روحي.. ثم نفخ فيها من روحه، فاستحالت بردا وسلاما.. مفتقد لك حتى النخاع.. المكان بدونك خال!

آمل أن تكوني بخير.. أنا معك.. لا تنسي ذلك.. أحتاجك.. امنحيني فرصة أن أقبل عينيك وأتمنى لك ليلة طيبة...   أتمنى أن أسعدك كل الوقت.. أدثرك بجفني وقلبي

اقتربت الصغيرة أكثر وبدأت تربت على يديها، انتبهت لها، رغم الجمر الذي أحرق عينيها امتدت ذراعيها، احتضنت حفيدتها بشغف حزين. رفرفت قدمين صغيرتين، فتبعثرت القصاصات 

طيف.. 

يبحث بين أوراقه عن ورقة أعدها للمحاضرة التي ينبغي عليه تقديمها لطلابه اليوم.. يتفحص الأوراق.. ويهمس لنفسه: يجب أن أتفرغ يوما لغربلة هذه الأكوام.. هناك أوراق لم يعد لحفظها ضرورة..

ورقة مكرمشة .. هناك من عبث بها.. وفكر بإلقائها في سلة المهملات.. لسبب ما تراجع.. ربما أكون أنا!

تسائل بينه وبين نفسه... فرد الورقة بعناية.. داهمه الخط المكتوب بعناية بحبر سائل أسود.. امتدت يده إلى المقعد استلقى وبدأ يقرأ:

برد في نيسان يفتك في حناياي وتهطل مع أمطاره مواجع تدفع بي إلى البحث عنك.... أتراني بت أقرض الشعر؟

يباغتني طيفك... أرمق الهاتف... سأكتب إليك الآن.. ربما تكون منشغلا بأسرتك؟... أو بكتابة نص أو بحث ما... أؤنبي..

لأعود للانشغال في قراءة نصوص الطلاب وتحريك الرز مع الحليب كي لا "ينشعط" لا أحب طعم الاحتراق في الحليب!

يصمت الهاتف...أرنو إليه بعتب..

يتنهد وجع أزلي لجرح مفتوح... غدا سأذهب لصالون الحلاقة.. سأقصر شعري... لأنك لا تحبه قصيرا!

أفتقدك في غمرة انشغالي...

بالأمس دعوت الفريق الذي أعمل معه، إلى تناول وجبة حورانية المذاق... أعددت فطائر ومقبلات من العلت والخبيزة والفرفحينا.. لم يغب طيفك عني... أفرد العجين..أصب الزيت.. أدور في المطبخ وحدي..تشوقت أن تتذوق طعامي.. 

أصغي لهمس  نهارات لا تنسى من نيسان فريد.... يشتعل الموقد وتخفت نيرانه..

ونار أشعلها قمر نيساني.. تعصى على الانطفاء..

صفير الرياح وشجر يلوح ويتمايل خلف الزجاج... أكتب تارة وأبحث تارة أخرى.. أطل على الطعام... وأصنع لي فنجان من القهوة.. أبحث عن أغنية فيروزية تليق بنا..

"بيقولوا الحب بيقتل الوقت.. وبيقولوا الوقت بيقتل الحب..."

ويحترق الحليب..! لم ينفع حذري ..ضيعتني فيروز بتراتيلها.. حيث أنا في البيت وحدي..أأقول وحدي؟

"ويا حلو شو بخاف إني إسألك .. كنو بعد بتحبني.. قد البحر قد الدني.. وبفزع لتضجر من سؤالي وزعلك.... "

فجأة يصله صوت تثاؤب... ينفتح باب غرفة المكتب، وسرعان ما يغيب الطيف..يدور في مقعده ويتحرك كمن يبدو عليه الانشغال في البحث عن شيء ما.. يعصر الورقة بين أصابعه... ويلقيها في سلة المهملات!   

عن صحيفة الرأي الأردنية-أيار 2006 



أضف تعليقا

alisharif من سوريا
20 يونيو, 2007 11:32 م
فارت القهوة و احترق الحليب ، و بين فورانٍ و احتراقٍ و زمنين تغدو التفاصيل أشبه بفسيفساء تناثرت قطعها بفعلٍ مقصود يرمي إلى تشكيلٍ - بل تشكيلات تتعدّد باختلاف القراءات .
" قصاصات .. و طيف " نصّ مُلتَبس يقول و لا يقول .. و لنقل يتوخّى الأناقة مجالاً للقبض على مسارات المعنى ، لكنها شهوة القول غالباً ما تدفع بنا للبوح أكثر مما تحتمله اليقظة.
و في حين تتداخل الأصوات و تتقاطع الأزمنة مفسحة المجال للذاكرة و الأخيلة و الصغيرة و فيروز .. ينهض الواقع ليقول كلمته و يشدّ الروح إلى مفارقةٍ طالما آلمت أرواحنا الذابلة..
تبقى اللغة هنا - كما هي في الخاطرة التي تناولتها من قبل في قراءتي الانطباعيّة و لا أعرف لمَ لمْ تظهر في المدوّنة - ذات خصوصيّة تحسب لكاتبة النصّ ، كما إنّ أسلوبها المشغول بالتفاصيل المميّزة لعالمها الأنثويّ ينأى بها عن المطبّ الذي تقع فيه معظم الكتابات النسويّة في أدبنا العربيّ .
نصّ ماتع يحتمل كثيراً من القراءة و التأويل.
دمتِ.