حكايا

الكتابة ... شكل من أشكال المواجهة مع الذات لاكتشاف معاني جديدة في الحياة..

صداقات بلا حدود

 

قبل رحيله بشهور ثلاثة .. وفي ربيع 2002 كانت زيارتي الثانية والأخيرة له في بيته في منطقة الروضة.. الزيارة الأولى كانت في العام 1995 وأيضا كان الفصل ربيعا.. ولحضور معرض القاهرة الدولي للكتاب..

في نهاية التسعينيات لست أذكر بالضبط السنة..

حضر بهجت عثمان إلى عمان لإقامة معرضه " من أجل بعد غد أفضل للطفل"عن ميثاق حقوق الطفل.. وكانت المدرسة التي أعمل بها ترعى المعرض آنذاك...وحين سأل لماذا بعد غد وليس غد؟

أجاب: لأن الطفل الذي سيتعرف على حقوقه اليوم هو رجل المستقبل الذي سيقوم بتنشئة أطفاله على حقوقهم..انتهى العمل بلائحة الحقوق يا بهجت بمجرد انتهاء "عقد الطفل" الذي أصدر ميثاق حقوق الطفل

أروي دائما للأصدقاء عنه لما طلب رقم هاتفي بخفة الظل المعهودة عند الإخوة المصريين: إديني نمرتك وحابقى أرجعهالك قبل ما اسافر.!

بعد رحيل أمي التقيته في بيروت مع تلامذته من رسامي الكاريكتير خلدون غرايبة وسعد حاجو

وقد كان مستشارا لدى صحيفة السفير اللبنانية.. في المطعم الاستنابولي في بيروت والنادل يضع أطباق المقبلات الشهية التي عرفت بها المائدة اللبنانية ابتسم وقال : منح الصلح يرى أن المطبخ اللبناني بدأ قبل اكتشاف الإنسان النار.. كبة نية.. وكبدة نية.. وتبولة.. ورق دوالي بالزيت

في بيت بهجت وزوجته بدر.. رحمهما الله.. كانت الدمى ملقاة في كل زاوية من زوايا البيت.. دمى صنعتها الفنانة بدر زوجة بهجت.. والألوان وأوراق الرسم على مكتبه..

كتبت بعدها كم أغبطكما يا بهجت وبدر فما زلتما ترسمان وتلعبان بالدمى..

حكى لي كيف أصابت الدهشة صديق ابنه وقد بدأ يعبث بالألوان فما كان من ابنه أن نبهه أن لا يعبث بألوان أبيه.. ربما تساءل كيف لأب أن يرسم ويلعب بالألوان!!

هاتفته وكنت أعلم أنه أجرى عملية جراحية صعبة ولم يكن قد مضى على رحيل رفيقته بدر 7شهور 

فتح الباب وعاد ليجلس أمام جهاز كمبيوتر بشاشة مكبرة..

يبتسم رغم ما يجلل وجهه من حزن عميق ويتحدث عن مشروعه الجزء الثاني لكتابه "صداقة بلا حدود"أصر على الذهاب إلى المطبخ بنفسه.. رافقته لتحضير الشاي وإحضار كعكة التفاح التي أوصى بصنعها الخباز المجاور لبيته..

بحثت عن نبتة اللبلاب المتعربشة على النافذة.. اطمأن قلبي حين وجدتها في مكانها وقد رافقت رسوماته وخاصة تلك الموجهة للأطفال.. عفوا التي رسمها طفل جاوز ال70 من عمره

بعد كامب ديفيد حسب اعتقادي.. لم يعد بهجت يرسم للكبار.. ربما فقد الأمل في إيقاظهم.. فيقرر أن يعمل مع وللأطفال فقط..

ذهب بهجت برفقة بدر إلى اليمن لتدريب الفتيات على مسرح الظل والعرائس.. كانا سعيدين بأن أدارت البنات اليمنيات خشبة المسرح..

تذكرت بهجت وأنا أعبث بصندوق امتلأ بعقود من الأحجار الكريمة..وصداقاته التي لم تمنعه الحدود يوما عن التواصل مع أصدقائه العرب في كل أنحاء الوطن الكبير

فقد تذكراني باليمن وأتى لي بعقد مشغولة فضته بأيادي يمانية

في كتابه صداقة بلا حدود يذكر بهجت كيف فقد محفظته التي تضم بطاقة الهوية والعضوية في نقابة الفنانين وكل أوراقه الثبوية.. ما دعاه للتفكير كيف يصدق أنه هو نفسه.. إلى أن سمع ابنه ينادي:بابا ثم يأتيه هاتف من المجلة يطلب منه المرور على المكتب لاستلام أو تسليم عمل.. وهاتف آخر من صديق في المغرب.. وأخر يحييه على الكاريكتير المنشور في المجلة.. عندها فقط يتأكد أنه هو!

إنها فعلا صداقة بلا حدود.. ....



أضف تعليقا